<< اهم الأخبار

 |  جمال سليمان يظهر بشخصية متناقضة في عمله الجديد  |  أبوتريكة يعلن تأييده لمرشح الإخوان المسلمين للرئاسة  |  الملك والملكة يشاركان في الاحتفال باليوبيل الماسي لجلوس ملكة بريطانيا على العرش  |  استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية : فالح الطويل  |  اسم رئيس الوزراء الفرنسي يحرج الصحافة العربية  |  وفاة أميرة الطرب العربي وردة الجزائرية  |  طقس معتدل الى حار نسبيا حتى الجمعة  |  الملك يقوم بزيارة مفاجئة إلى مراكز تربية خاصة  |  "الخليجي" يدعم الأردن بنصف مليار دولار سنوياً لخمسة أعوام  |  إنتحـار مبكر لحكومة الطراونة : سامي شريم

الأرشيف

العلوم والثقافة «الطريق إلى بيت المقدس»

«الطريق إلى بيت المقدس»

  .نضال الشمالي - من البيّن أنّ المسرحية عند كثير من الكتّاب القدماء قبل المعاصرين محفّز من محفزات التاريخ، ينبعث منها التاريخ مجدداً بتواصل أمتن وحرية أوسع لتوثيق علاقته بالحاضر، فالمسرحية المتصلة بالتاريخ هي في صورة من صورها تلبية للحاضر تنطلق منه نحو الماضي ثم ترتد إليه عبقة بالدلالات والتصورات والإسقاطات. فكيف يحدث هذا التوالف بين المسرحية والتاريخ؟ ما القوانين التي تحكم علاقات الاتصال والانفصال بينهما؟ ما الطرق المثلى لاستحضار التاريخ وصبّه في قوالب مسرحية مفتعلة؟ ومتى يخسر المسرحي رهانه على التاريخ؟ ثم كيف للمسرحي أن يتعامل مع شخصيات تاريخية حقيقية مكتملة البناء حاضرة في الذهن؟ وإلى أي مدى يحدّ ذلك من صلاحياته الإبداعية؟ وهل الشخصية التاريخية الحقيقية تعدّ ضيفاً ثقيلا، لأنها تأتي بثياب جاهزة؟ أم إن مهمة المبدع هي الكشف عن تفاصيل هذه الثياب وليس إلباسه ثياباً أخرى. ثم ما الدواعي الحقيقية للّجوء إلى التاريخ؟ لماذا يستعير المبدع حادثة من التاريخ دون حادثة أخرى؟ أم إن التاريخ في نظر المبدعين يمثل نواة عمل طيّعة القياد يسهل العثور عليها. المسرحية التاريخية سردٌ مسرحي يستغل التاريخ خلفية لأحداثه، وقد تقدم هذه المسرحية الحوادث الداخلية الحقيقية في أثناء سردها، كما أنها مجرد مسرحية لسرد تاريخي معروف أو تستغل الخلفية التاريخية لتقدم صراعا دراميا بين شخصيات تاريخية أو خيالية. لقد احتلت المسرحية التاريخية حيّزاً معلوما في التجربة المسرحية العالمية، وتبنّاها الجمهور اعتقادا منه أنّها تخاطب وعيه الوطني وتناقش إشكالياته، فضلا عن أن المسرحية عموما تقصد إلى "تصوير النماذج والمواقف الإنسانية وعرض بعض القضايا الاجتماعية والفكرية والسياسية وتصوير إرادة الإنسان في صراعه أمام القوى المختلفة التي يواجهها في إطار من الفن قادر على التأثير والإقناع. ومن خلال ذلك كلّه قد تقرر بعض المبادئ الخلقية أو غيرها من المبادئ الإنسانية على نحو غير مقصود في كثير من الأحيان". وعلى الصعيد نفسه فإنها لا تحرص على نقل صورة كاملة لما يحدث في الواقع أو الماضي، بل إنها تعمل على إيهامنا بالحقيقي ولو كنا نعلم ما جرى حقا. إن المسرحية العربية في تعاملها مع التاريخ مضمونا أو شكلا أو لغة، لَتحاول أن تؤصل نفسها فنّا تعبيريا راسخا وحاضرا وممتلكا لأدوات الإيقاظ والدفع نحو خانة التأمل والجدل ومن ثم إنتاج المعرفة. ومن الموضوعات التاريخية التي كان لها حضور نوعيّ في النصوص الأدبية العربية مدينة القدس التي توطنت في مساحة رحبة من إبداع الأدباء عموما والشعراء منهم خصوصا، سواء بماضيها أو حاضرها، وقد كان لها نصيب في مسرحية نشرت العام 2003 بعنوان "الطريق إلى بيت المقدس" للناقد والكاتب د.إبراهيم السعافين وإن لم يكن الحديث عنها مباشرا ، حيث اختار بعضا من الملامح التاريخية التي دارت إبان القرن السادس الهجري الذي شهد تحرير بيت المقدس من الصليبيين على يد صلاح الدين العام 583 هـ، وتحديدا مقاطع من حياة القائد صلاح الدين الأيوبي خلال إعداد الأمة لتتمكن من إرجاع مقدساتها، وهي مقاطع مفصلية في تاريخ الصراع بين العرب والفرنجة على بيت المقدس تعجّ بأحداث مادية جسيمة دون الرجوع كثيرا إلى تاريخ الحروب الصليبية أو تاريخ نشأة صلاح الدين الأيوبي، فالعمل يفترض دراية مسبقة بالأرشيف التاريخي للمسلمين لدى القارئ حتى يراها مجسّدة مسرحيا، ويشارك في تلقيها ثقافيا بروح نقدية تؤمن بالمستقبل ضمن إطار الوعي بالهوية، هذا الإطار الذي حرص السعافين على إبرازه وتعزيزه. ومع أنّ حياة صلاح الدين فيها الكثير الذي يستحق أن يبرز لما تتضمنه من دروس وعِبَر، إلا أن المؤلف آثر أن يتمركز في تلك الأحدث المفصلية المبنية على التحوّل والتي سبقت تحرير بيت المقدس، فكان لها الأثر الأكبر في رسم معالم الطريق إليه، وهذه اللحظة التاريخية التي اختارها وحوّلها لموقف درامي سمحت لمسرحيته بأن توصل مغزاها المراد، فالنصر بحاجة إلى إعداد والكلام وحده لا يصنع شيئا لأنه أضرّ من الصمت. والمسرحية بأدائها هذا تعدّ من الأدب الملتزم الذي يعرض "قضايا مجتمعه والدفاع عنها من وجهة نظر حرة الفكر حريصة على قيام العدالة والمساواة"، حتى يقود ذلك إلى إحياء الوعي القومي دون إخلال بمقتضيات الفن وشروطه. وقد توزّع العمل على فصلين شمل كل فصل منها أربعة مشاهد، وقد اختص الفصل الأول بمشاهده الأربعة بإبراز حال الأمة المتضعضع وتفرقها وضعف الخليفة العباسي وتراجع نفوذه واكتفائه بمراقبة الأحداث مقابل تغلغل وسيطرة الفرنجة على الأمور في بلاد الشام، خصوصاً بيت المقدس وغطرستهم التي امتدت لإيذاء وقتل قوافل الحجيج والتهديد بالوصول إلى الديار المقدسة. أما الفصل الثاني فاختص بالحديث عن إعادة البناء والتلاحم لكسر شكوة الصليبيين واستعادة بيت المقدس مع إبراز دور أحد اأراء الفرنجة ارناط أمير الكرك والشوبك في التنكيل بالمسلمين لتكون نهايته على يد صلاح الدين، إضافة إلى حادثة محاولة اغتيال القائد صلاح الدين من قبل الحشاشين. والمؤلف بذلك يكون قد اختار أحداث مسرحيته من الفترة الممتدة بين احتلال بيت المقدس إلى ما قبيل تحريره والتي بلغت ثلاثة وتسعين عاما، وهو بذلك لا يحاكي الواقع فقط أو ينقل صورة كاملة له ، بل يعيد بناء التاريخ فنيّا ليحتمل الحاضر إسقاطاته. إن اختيار موضوع المسرحية بحدّ ذاته محكوم بمدى قدرة هذا الموضوع على إفراز الدلالات والقيم الاجتماعية والسياسية والإنسانية، فالتعامل مع التراث يجب أن يكوّن قيمة لا أن يبقى في دوائر الماديات من وقائع وأشخاص فحسب، وقد اختار المؤلف لهذه المسرحية فترة حرجة سبقت تحرير بيت المقدس، وهي فترة جدلية خصبة لا يمكن التعامل معها بسطحية، وفي الوقت نفسه لا يقصدها المؤلف لذاتها فعينه الأخرى على واقع الأمة. إذن، لا بد أن يخضع المؤلف عمله هذا لمبدأ العزل والاختيار، وهذا الأول يتم عن طريق الموهبة والفطرة عند الفنان مرة، وعن طريق الوعي بطبيعة الموضوع وما يريد أن يبثّه الفنان من دلالات مرة أخرى. والإصرار على المبدأ الفني متأتٍ من طبيعة الفن القصصي والمسرحي اللذين يقتضيان مزيدا من الصرامة في تطبيق هذا المبدأ الفني، فالمسرحية ليست مجرد نصٍّ مكتوب، لأن وجودها لا يكتمل إلا بأدائها على المسرح، من هنا نجد المؤلف حريصا على اختصار كثير من مناظر الواقع ويتجنب قدر ما يستطيع من المشاهد التي لا تخدم مغزى المسرحية. من جهة أخرى، فإن عودة الفنان المعاصر إلى التراث تؤكد ثراء التراث وقابليته للحياة. ولكن هذه العودة لا تلغي الجانب الإبداعي للفنان الذي يقوم بعمليات ثلاث، تستوجب ثقافة واسعة، وعقلا منظما يعيد إلى الشتات التراثي تنظيمه وبعثه وتكثيفه بصورة فنيّة معاصرة. فالفنان يمر أولا بمرحلة الاختيار، وهي مرحلة تحتاج إلى رؤية، ثم مرحلة الانفعال وهي مرحلة تكوين معانٍ جديدة، ثم مرحلة التشكيل، وهي مرحلة طرح ما لا يناسب وتوظيف المناسب. وعلى الفنان خلال فترة افتعال التشكيل بالتراث أن ينفصل عن العمل بقدر ما ينغمس فيه. مثل هذا المزج بين خطابين هو توظيف للمعلومة التاريخية أكثر منه نقلا لها، والتوظيف نوع من أنواع التناص يحدث بوعي وقصد حتى ينقل الرؤى والأفكار ولا يعد ناضجا إلا إذا حمل أبعادا معاصرة. وعملية التوظيف هذه تكون على الأغلب من أجل تشكيل مناخ واقع يوازي مناخ الواقع التراثي. ومن أمثلة الموازانة المتحققة بين واقعنا وماضينا تركيز الكاتب على حقيقة الفرقة في زمن المسرحية وما لذلك من إسقاطات على زمن القارئ، فالمسلمون متفرقون مشتتون يلهث كل واحد منهم لتحقيق مكاسب خاصة به، رغم الأخطار التي تتهددهم جميعا: "لقد كانت الأحوال قبل قرن من الزمان مدعاة لليأس الشديد، إن فساد الأحوال وقصر نظر الأمراء وتفشي المظالم كانت وبالا على الأمة" (ص 42)، فضلا عن التآمر على الأوفياء من أبناء العروبة وإظهار العمالة للعدو الغاصب: "لقد عرض وفد من إمارة الموصل على ملك بيت المقدس دفع جزية سنوية قدرها عشرون ألف دينار، وتسليم عدد من البلدان للفرنجة، وإطلاق سراح من لديهم من الأسرى الفرنجة إذا نجحوا في طرد مولانا الناصر صلاح الدين من دمشق" (ص 43). ويفسر صلاح الدين ذلك فيقول: "إن للأمر وجها آخر.. لقد استبّت بهم شهوة الحكم فعميت قلوبهم.. المهم أن يحكموا ولو ذهبت البلاد وهلك العباد، شهوة الحكم غدت لديهم سيدة الشهوات" (ص 52). هذه العبارة التي تصلح لزمانهم وزماننا تدخل من باب التوظيف، وهنا يكمن فرق وظيفي بين التاريخ والفن. على المبدع أن يُحْدِثَ في جدار التاريخ الصلب فجوات ينظر من خلالها نحو الحاضر الذي يفتقر للرأي السديد، وهذا الهامش من الرؤية يسمح فيه للمبدع وليس للمؤرخ. لقد انشغل الكاتب في هذه المسرحية عن التعامل المباشر مع بيت المقدس من حيث المكان والقيمة والمحتوى والناس، وركز في رؤيته على ما يحيط ببيت المقدس من ظروف وتناقضات قد يضيع بسببها إلى الأبد أو قد تكون فسحة نور تجدد الأمل، وهذا الانشغال عن القدس مكانا لم يقلل من مركزيتها في العمل، فهي المثير الذي يحرك شخصيات العمل ويؤجج الصراع. وقد ألمح السعافين إليها بين زمنين: زمن ضياعها عندما سقطت بيد الفرنجة، وزمن تحريرها عندما بات صلاح الدين على مشارفها، وخلال هاتين المرحلتين يصطنع الكاتب هامشا حواريا بين أطراف العمل، كل يدافع عن رؤاه. ومن اللمحات التاريخية المهمة التي جرى توظيفها، منطق العداء الذي واجه صلاح الدين من زوايا ثلاث: الفرنجة وتحرشاتهم بالمسلمين وبقوافل الحجيج رغم المعاهدات؛ ضعف الخليفة العباسي وتهافت أمراء المسلمين على الحكم؛ وظهور الفرق الضالة التي تتواطأ مع الفرنجة لقتل صلاح الدين ممثلين بالحشاشين، وهي فرقة فاطمية نزارية مشرقية انشقت عن الفاطميين تحترف القتل والاغتيال لهداف سياسية ودينية متعصبة، ويروى أنهم تعاونوا مع الفرنجة ضد صلاح الدين: "إن الأعداء يجتمعون في خندق واحد" (ص 114). عموما، نهج السعافين نهجا آمنا في التعامل مع التراث التاريخي حول تحرير بيت المقدس عندما وازن بين المعلومة التاريخية والمعلومة المفترضة تاريخيا، فلم يتجاوز على النص التاريخي وحافظ على محتوياته، ولكنه تصرف باتساع في تشكيل العمل واختيار مفرداته من السجل التاريخي المزدحم بالوقائع وجمّعها بروية وأضفى عليها أبعاده الخاصة ورؤاه، حتى إن معظم ما وظفه من حقائق تاريخية كان يحكمه فيها مدى توافقها مع واقعنا المؤلم المشتت المتهافت على إرضاء الآخر الغاصب. الراي


أنتبه, فتح فى نافذة جديدة. طباعةأرسل لصديقك

رمز الحماية
تحديث